
تحت المطر
فى هدوء وبساطة أخذ يلملم أوراقه الكثيرة المبعثرة هنا وهناك فوق مكتبه، ثم
خلع منظاره الطبي الأنيق، وأغلق حاسبه الصغير وتناول هاتفه المحمول دون أن يعيد تشغيله، واستعد للرحيل متناولاً معطفه الثقيل .
وقبل أن يفعل....استدار يتأمل المشهد من النافذة في حلم وابتسامة صافية سعيدة وكأنه يتأمل محبوبته ومالكة قلبه وحياته.
وبدا بطلاً للوحة فنية دافئة المشاعر بضوئها الخافت وتوهج مشاعر بطلها وروعة طبيعتها وقسوتها معاً .
الوقت منتصف الليل ،والجو ممطر بكثافة والسماء تملؤها الغيوم...قتامة يكرهها غالبية البشر ، وكان هو من القلة ، التي تعشقها وتفنى فيها وتقف أمامها محلقة في أعلى السماوات وتنطلق برحابة لا مقيدة وتنتشي وتنتعش وتبتهج لمجرد تذكرها، فما بالك بمرافقتها؟!
وبدا الرجل وكأنه لا يريد من هذا العالم سوى ......
الدفء الداخلى...!!
تنهد محافظاً على ابتسامته المحبة، وهو يتأمل بعض قطرات المطر التى كانت تبحث عن بعض الدفء على زجاج النافذة...كانت تتحرك كحبات لؤلؤ متألقة نشيطة تتسارع في تحمس ونعومة ، لعلها تجد لها مكاناً على سطحه.
تنهد ثانية....بابتسامة رائقة
لم يكن يرغب فى الانصراف حقيقة....
لكن اسرته الصغيرة فى انتظاره
أهم من يملك فى الحياة....حياته الصغيرة..
التى صنعها بعد معاناة....
طويلة مع الحياة...
لكنه حصل عليها ...
هو سعيد وفخور بهذا... فهو مؤمن بأن استمتاعنا بالعسل الحلو يزيد بعد تذوقنا مر الصبار.
تحرك في هدوء وهو يدندن أغنية لأم كلثوم...
لم يستخدم المصعد ، فهو معتاد على هذا ، إنه يكره هذه الأشياء المادية الدخيلة على حياتنا والقاتلة لإنسانيتنا ويعشق البساطة ...والنشاط والحيوية.
هبط السلم على قدميه فى بطء وتلذذ...
فهو يترك محبوبة للقاء محبوبة أخرى....
ترك الكتابة ليذهب لزوجته ,وأولاده....
والأروع أن صديقاً عزيزاً سيرافقه في الطريق....صديقاً يهنأ لقربه ويعتبره من أعز الموجودات وأرقها وأحنها على الإطلاق.
سيسير تحت المطر ومعه حتى منزله.....
روحه الحالمة المنطلقة ترفض أى نوع من القيود الليلة...
سعادته بالمطر تجعله مصراً على الالتقاء به مباشرة ووجها لوجه..
بلا حواجز أو حدود....وبلا الصندوق الحديدي المعروف بالسيارة ، ليعانق حبيبه المطر بشوق متدفق مثير وليشعر به مغطياً جسده كله متمتعاً بملمسه على جلده متسرباً حتى أعمق أعماقه مذيباً لأي جانب خفي من جمود مشاعره.
وبخطوات واثقة بطيئة بدأ رحلة العودة.....
وكأنه يسعى لأطول لقاء ممكن مع عشيقه ....المطر
سائراً على قدميه ،ولنصف ساعة كاملة....
يدندن مبتسما....أغنية للرائعة أم كلثوم.....وأخرى للرقيقة ليلى مراد وثالثة للمبدع محمد منير ، ورابعة للآسرة لفيروز.... كلمات وألحان لا تصلح إلا أن تقال في مثل هذه اللوحة الإنسانية الساحرة.
وتتمايل روحه فى خفة ورشاقة وابتهاج....
وتصطدم قدمه ببركة ماء صغيرة تكونت من المطر الغزير....
وكطفل صغير يلهو.....ويداعب الماء الراكد وكأنه يداعب طفله الأحب لقلبه.
ما أسعده...
تطلع إلى السماء بحب ......
كان يريد أن يصل بعينيه إلى مكان نزول المطر.....
عشقه الخاص أن يفعل..
كان يعرف أنه لن يعلم أبداً...لكنه ظل يتطلع إلى السماء.....
يداه فى المعطف.....
وهو لا يشعر أنه يرتديه....
بل لا يشعر أنه يسير على الأرض. بل يحلق فى سماء ليست كمثل السماوات التى يعرفها البشر.....
المحدودين.
الذين يسيرون على الأرض....
أو حتى يحلقون فى سماوات بعيدة عالية.....
إن سماءه ببساطة لا توصف بكلمات فهي أرقى من هذا كثيراً جداً، ولا يعرفها ولا يحسها سواه....فقط.
خلقها الله له وحده.
وأمره ألا يتركها أو يتخلى عنها...أبداً.
والحق أنها كانت ولا تزال مهمة شاقة
وعصيبة أن يفعل
لكن الحب المتأصل فى روحه الكامن في كيانه ، كان يساعده –هذا الحب- فى هذا كثيراً....
ضاقت المسافة إلى المنزل.....
وهو يحلم بلقاء حميم مع محبوبته وزوجته......وأطفاله .
وصل المنزل .....
أخرج مفتاحه.....
ودخل المكان الهادىء البسيط الذى يعيش فيه أحلى أيام عمره....
مع رفيقة دربه وأبنائه وقرة عينيه وعينيها.
لم تكن هناك ولا هم أيضاً.
وعلى باب حجرتهما كانت تلك الورقة الصغيرة الملونة التى تقول فيها:
حبيبي الأول والأخير
نور روحي ومهجة قلبي وشمس حياتي ورحيقها
وأنفاسي التي تحييني
فريد
سامحني أرجوك
خرجت أتمشى قليلاً تحت المطر....
انتظرتك طويلاً، تأخرت على ، ما هذه القسوة يا حبيبي؟
أنت لم تسيء لي من قبل
اضطررتني أن انفصل عنك بعض الوقت
لأخوض المطر...
وحدى هذه المرة....
قرة عيني
لم أتمكن من الاتصال بك فتليفونك المحمول مغلق....
والأولاد عند أختى....
سامحنى يا ملكي
يا ذاتى المكتملة.....
وعند عودتك..
اتصل بى كى تحدد مكانى ....
وتلحق بى
تحت المطر
زوجتك وحبيبتك وملهمتك:
سلمى
تمت بحمد الله
الثلاثاء_20/11/2001
التاسعة صباحاً
أكاديمية أخبار اليوم
فى هدوء وبساطة أخذ يلملم أوراقه الكثيرة المبعثرة هنا وهناك فوق مكتبه، ثم
خلع منظاره الطبي الأنيق، وأغلق حاسبه الصغير وتناول هاتفه المحمول دون أن يعيد تشغيله، واستعد للرحيل متناولاً معطفه الثقيل .
وقبل أن يفعل....استدار يتأمل المشهد من النافذة في حلم وابتسامة صافية سعيدة وكأنه يتأمل محبوبته ومالكة قلبه وحياته.
وبدا بطلاً للوحة فنية دافئة المشاعر بضوئها الخافت وتوهج مشاعر بطلها وروعة طبيعتها وقسوتها معاً .
الوقت منتصف الليل ،والجو ممطر بكثافة والسماء تملؤها الغيوم...قتامة يكرهها غالبية البشر ، وكان هو من القلة ، التي تعشقها وتفنى فيها وتقف أمامها محلقة في أعلى السماوات وتنطلق برحابة لا مقيدة وتنتشي وتنتعش وتبتهج لمجرد تذكرها، فما بالك بمرافقتها؟!
وبدا الرجل وكأنه لا يريد من هذا العالم سوى ......
الدفء الداخلى...!!
تنهد محافظاً على ابتسامته المحبة، وهو يتأمل بعض قطرات المطر التى كانت تبحث عن بعض الدفء على زجاج النافذة...كانت تتحرك كحبات لؤلؤ متألقة نشيطة تتسارع في تحمس ونعومة ، لعلها تجد لها مكاناً على سطحه.
تنهد ثانية....بابتسامة رائقة
لم يكن يرغب فى الانصراف حقيقة....
لكن اسرته الصغيرة فى انتظاره
أهم من يملك فى الحياة....حياته الصغيرة..
التى صنعها بعد معاناة....
طويلة مع الحياة...
لكنه حصل عليها ...
هو سعيد وفخور بهذا... فهو مؤمن بأن استمتاعنا بالعسل الحلو يزيد بعد تذوقنا مر الصبار.
تحرك في هدوء وهو يدندن أغنية لأم كلثوم...
لم يستخدم المصعد ، فهو معتاد على هذا ، إنه يكره هذه الأشياء المادية الدخيلة على حياتنا والقاتلة لإنسانيتنا ويعشق البساطة ...والنشاط والحيوية.
هبط السلم على قدميه فى بطء وتلذذ...
فهو يترك محبوبة للقاء محبوبة أخرى....
ترك الكتابة ليذهب لزوجته ,وأولاده....
والأروع أن صديقاً عزيزاً سيرافقه في الطريق....صديقاً يهنأ لقربه ويعتبره من أعز الموجودات وأرقها وأحنها على الإطلاق.
سيسير تحت المطر ومعه حتى منزله.....
روحه الحالمة المنطلقة ترفض أى نوع من القيود الليلة...
سعادته بالمطر تجعله مصراً على الالتقاء به مباشرة ووجها لوجه..
بلا حواجز أو حدود....وبلا الصندوق الحديدي المعروف بالسيارة ، ليعانق حبيبه المطر بشوق متدفق مثير وليشعر به مغطياً جسده كله متمتعاً بملمسه على جلده متسرباً حتى أعمق أعماقه مذيباً لأي جانب خفي من جمود مشاعره.
وبخطوات واثقة بطيئة بدأ رحلة العودة.....
وكأنه يسعى لأطول لقاء ممكن مع عشيقه ....المطر
سائراً على قدميه ،ولنصف ساعة كاملة....
يدندن مبتسما....أغنية للرائعة أم كلثوم.....وأخرى للرقيقة ليلى مراد وثالثة للمبدع محمد منير ، ورابعة للآسرة لفيروز.... كلمات وألحان لا تصلح إلا أن تقال في مثل هذه اللوحة الإنسانية الساحرة.
وتتمايل روحه فى خفة ورشاقة وابتهاج....
وتصطدم قدمه ببركة ماء صغيرة تكونت من المطر الغزير....
وكطفل صغير يلهو.....ويداعب الماء الراكد وكأنه يداعب طفله الأحب لقلبه.
ما أسعده...
تطلع إلى السماء بحب ......
كان يريد أن يصل بعينيه إلى مكان نزول المطر.....
عشقه الخاص أن يفعل..
كان يعرف أنه لن يعلم أبداً...لكنه ظل يتطلع إلى السماء.....
يداه فى المعطف.....
وهو لا يشعر أنه يرتديه....
بل لا يشعر أنه يسير على الأرض. بل يحلق فى سماء ليست كمثل السماوات التى يعرفها البشر.....
المحدودين.
الذين يسيرون على الأرض....
أو حتى يحلقون فى سماوات بعيدة عالية.....
إن سماءه ببساطة لا توصف بكلمات فهي أرقى من هذا كثيراً جداً، ولا يعرفها ولا يحسها سواه....فقط.
خلقها الله له وحده.
وأمره ألا يتركها أو يتخلى عنها...أبداً.
والحق أنها كانت ولا تزال مهمة شاقة
وعصيبة أن يفعل
لكن الحب المتأصل فى روحه الكامن في كيانه ، كان يساعده –هذا الحب- فى هذا كثيراً....
ضاقت المسافة إلى المنزل.....
وهو يحلم بلقاء حميم مع محبوبته وزوجته......وأطفاله .
وصل المنزل .....
أخرج مفتاحه.....
ودخل المكان الهادىء البسيط الذى يعيش فيه أحلى أيام عمره....
مع رفيقة دربه وأبنائه وقرة عينيه وعينيها.
لم تكن هناك ولا هم أيضاً.
وعلى باب حجرتهما كانت تلك الورقة الصغيرة الملونة التى تقول فيها:
حبيبي الأول والأخير
نور روحي ومهجة قلبي وشمس حياتي ورحيقها
وأنفاسي التي تحييني
فريد
سامحني أرجوك
خرجت أتمشى قليلاً تحت المطر....
انتظرتك طويلاً، تأخرت على ، ما هذه القسوة يا حبيبي؟
أنت لم تسيء لي من قبل
اضطررتني أن انفصل عنك بعض الوقت
لأخوض المطر...
وحدى هذه المرة....
قرة عيني
لم أتمكن من الاتصال بك فتليفونك المحمول مغلق....
والأولاد عند أختى....
سامحنى يا ملكي
يا ذاتى المكتملة.....
وعند عودتك..
اتصل بى كى تحدد مكانى ....
وتلحق بى
تحت المطر
زوجتك وحبيبتك وملهمتك:
سلمى
تمت بحمد الله
الثلاثاء_20/11/2001
التاسعة صباحاً
أكاديمية أخبار اليوم


















